Skip to main content

من رموز بلدة الشنانة النسائية: نورة بنت عبدالله العضيب الشارخ (1352-1430هـ)

1 صفر 1443هـ
28 أغسطس 2022 م

كل أم مدرسة، وكل مدرسة تختلف عن الأخرى في المناهج والمستويات، والمدخلات والمخرجات. فأم سليمان هي نورة بنت عبدالله العضيب الشارخ واسمها المحبوب (عُضيبه)، وقد عاشت سنوات عمرها (78) عاماً بقرية الشنانة في محافظة الرس بمنطقة القصيم، وكانت أميّة في القراءة والكتابة، لكنها كانت مدرسة في المعرفة ومهارات الإنتاج، والصبر على ظروف الحياة، والتسامح والمحبّة، وكانت قد وظَّفَت رسالتها في الحياة وتجاربها الثرية لتربية أولادها (سبعة بنين وخمس بنات) فكانت بحق مدرسة تربوية تستحق أن يتدارس الأجيال والأحفاد والأسباط جوانب حياتها ذات الأثر.      

ووُلدت نورة بنت عبدالله بن صالح العضيب الشارخ في قرية المطية عام 1352هـ تقريباً، والشارخ من العجمان أمراء بلدة الرس والشنانة في السابق واللاحق على مدى مائة عام تقريباً، وهم من مؤسسي بلدة الشنانة مع غيرهم من العوائل الأخرى، وكانت شهرتهم بالشنانة بأن لهم مزارع متعددة ومعروفة ومن أشهرها مزارع ظلما، ولهم مجلس مشهور ببلدة الشنانة يسمى (مجلس الشارخ).

وكانت قد تزوجت من الشيخ عبدالله بن سليمان السلومي من المشارفة الوهبة من تميم ممن قدم أجداده للشنانة قُبيل عام 1200هـ، وكان زواجها عام 1368هـ تقريباً، وقد تزوجت بمهر مقداره جنيه ذهبي واحد أحمر -كما كانوا يُسمُّونه- واستقرت مع زوجها طيلة حياتها في قرى الشنانة (البلطانية ثم الجُديِّدة).

ومن صفاتها أنها كانت متصالحة مع حياتها الشاقة ومتسامحة مع نفسها ومع غيرها، وقد عاشت بالقناعة والرضا اللذين كانا يملآن قلبها، ويزرعان كامل الثقة والسعادة بنفسها فماتت -رحمها الله- لا تعرف الكماليات ولا الماركات بالرغم من معاصرة بداياتها، وبالتالي عاشت سعيدة لا تعرف الحالات العصبية أو الأمراض النفسية الناتجة من خِوَاء العقل وضعف الإيمان، أو الناشئة من الفراغ من أي مشروعٍ جادٍ في الحياة، لا سيما مع إيمانها بالله والرضا بقدره خيره وشره، وفوق هذا وذاك عاشت بقناعة وزهد بكل ما في هذه الدنيا التي وصفتها بالقول (رايحة ومروحة يا عيالي). 

  • أم سليمان المدرسة: 

كانت أم سليمان (مدرسة) دون شهادات ولا دورات، وقد عاشت مخضرمة بين أزمنة الإنتاج والاستهلاك، وكانت مؤهلاتها بما فتح الله عليها من صلتها القوية بالله من صوم وصلاة وصدقة وإحسان، وحسن ظن بالله، وكانت تُضمر النية الحسنة لكل إنسان وفي كل شيء، وكانت بَوْصَلَتَها في الحياة تقوى الله في كل شيء فهي مدرسة وقدوة بما سبق. 

علَّمتها وصقلتها مختبرات الحياة فمارست بمعدنها الأصيل صنوف الحياة مشاقها ومصاعبها، حلوها ومرها، سعادتها وكدرها. لقد كانت أم سليمان صاحبة تجربة ثرية وكنوز ثمينة ليس من العلم والثقافة، لكن من المعرفة والمهارات والقيم والسلوك التي انعكست حقاً على معطياتها ومواقفها.

كتبت حفيدتها الدكتورة أسماء محمد السلومي عن جانب القدوة لدى جدتها تحت عنوان: (وقفة مع قدوتي في الحياة) فقالت: «كانت جدتي (نوره) أماً عظيمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عظيمة فيما تُكِنُّه، فيما تقوله، فيما تفعله. قدوتي في أشياء كثيرة، أسوتي في أخلاقٍ كريمة.. نِعْمَ الأم المربية».

  • أم سليمان المربية: 

لقد كانت (التربية) حصريَّة للوالدين إلى حدٍّ كبير في أزمنة مضت لم تكن المؤثرات الخارجية من إعلام وتعليم ذات أثر كبير فيه مقارنة بمدرسة البيت مدرسة الحياة ومدرسة الصبر والكفاح.

 لقد كانت بحق أماً مربية لأولادها على الأخلاق النبيلة ومنها قيمة العمل فهي (مدرسة)، وكان للعمل لديها قيمةٌ عملية ومنقبة أخلاقية، وليس راتباً أو وظيفة، لقد علَّمت أولادها مع زوجها كيف يجب أن يعيش الأولاد ولماذا؟ وكيف يكون لكل واحد منهم مشروع وحياة كريمة؟ وكيف يواجهون ظروف الحياة؟ كما كانت تربيتها لأولادها مع زوجها على حب العمل وجدية الإنتاج في بناء بيوت الطين وفي مزارع القمح وحيطان النخيل والتمور والاحتطاب، بل ورعي الغنم أحياناً، وخدمة الوالدين، وتَعلّم منها أولادها (بنين وبنات) الاعتماد على النفس بالخدمة الذاتية وحب فعل الخير للغير، وقد كانت قدوة لهم، ومن ثمرات هذه التربية أن حصل أربعة من أبنائها على شهادة الدكتوراه، كما أنجبت مجموعة من ربات البيوت الناجحات مما يعكس دور الأم الناجحة.

وكانت كل عطاءاتها المالية تُوَجِّهها لـ(أعمال الخير)، بل كانت المربية لأولادها بنين وبنات على هذه المعاني والقيم عندما تكامل دورها مع دور زوجها ورسالته.

  • الأزمنة الماضية والإنتاجية: 

 لقد كانت المرأة في أزمنةٍ مضت عاملة مُنتجة غير أجيرة أو أسيرة لأحد، فهي المرضعة دون خيار آخر للرضاعة، وهي المربية للأولاد مع زوجها، وكانت الزوجة هي العاملة في البيت وحقول المزارع، وهي الطبَّاخة على الحطب، والغاسلة للملابس بيديها، وعذق النخيل مكنستها، والحاملة للماء العذب على رأسها للبيت، والمكافحة شتاءً وصيفاً بحصاد العشب من المزارع، وجمع الحشائش من البراري وتخزين كل هذا للأبقار والأغنام يوم أن كانت هذه من مكونات كل دار تقريباً بلا عامل أو عاملة، وذلك حينما كان هذا صورة من صور الإنتاج وتمكين المرأة وممارسة حقوقها الشخصية والأسرية. 

عاشت أم سليمان مثل غيرها من النسوة في ذلك العصر فالجميع ربات بيوت، ومساعدات لأزواجهن في كثير من المسؤوليات لتأمين العيش الكريم، والنساء مع الرجال بهذا الواقع كانوا من وسائل الإنتاج، حيث لا مكان لكبير أو صغير أن يكون من أدوات الاستهلاك الذي دَمَّر فيما بعد كثيراً من قيم الإنتاج والعمل لدى كثير من الرجال والنساء والبنين والبنات على حدٍّ سواء، وقد كانت نورة بنت عبدالله الشارخ زوجة وأماً ومربيةً وعاملةً في ميادين العمل النسائي.

ولهذا كانت أم سليمان منتجة ومدرِّبة لأولادها على (العمل والإنتاج) بوصفه قيمة في ذاته مع ظروف الحياة الصعبة التي كانت طبيعية في ماضي الزمن، ويكفي القول عن ذلك الزمن: إن معظم الاحتياجات المنزلية والشخصية كانت من إنتاج المنزل وعمالته المحلية (بنين وبنات)، ولم يكن للسلوك الاستهلاكي ومواده مكان في قاموس المنازل (خزانة أو مستودع أو رفوف أو ثلاجات).

وكانت بهذه الإنتاجية مثالاً للاستغناء بعمل يدها، حينما كانت أم سليمان (عاملة غير أجيرة) قبل أن يكون بعض عمل المرأة برستيجاً أو مظاهر عند بعض الناس، وقد كانت أنموذجاً في العمل والإنتاج والتضحية بنفسها ووقتها لراحة الآخرين حتى لو كان على حساب راحتها.

كتبت حفيدتها ميمونة بنت محمد السلومي عن هذا الموضوع لدى جدتها فقالت: «برزت الإنتاجية عند جدتي زمن الاستهلاك -كمثال- بأن كل شيء يرد للبيت يُستفاد منه بقولها الذي عرف عنها: (نعمة من الله) (نعمة من ربي) فهذا للمطبخ واستهلاك المنزل، وهذا للجيران المحتاجين، وآخر للأقرباء والأرحام، وذلك للدجاج، والآخر للأغنام والأبقار داخل المنزل أو خارجه، والجميع عندها من صغار وكبار يُوَظَّفُونَ لخدمة ذلك».

وهذه الإنتاجية لنساء الأمس في التربية والعطاء والنجاح في المهنة يعكس الإيجابية الكبيرة والتمكين الوظيفي للمرأة في منزلها، كما يَدحض ما يقال من مفاهيم خاطئة عن (بطالة المرأة) وتعطيل نصف المجتمع حينما تكون منتجة في بيتها، ويمكن أن تكون هذه الإنتاجية من أعلى نتائج التمكين ونماذجه لمجتمعٍ تحكمه قِيَم الإسلام وتشريعاته.

وما أحوج فتيات اليوم للقراءة عن أمهاتهن وجداتهن وعن التزامهن بدينهن وقِيَمهن، وكيف نجحن مع ذويهن في صناعة مشاريع منزلية ومجتمعية تخدمهم في الحياة! مع الصبر والمصابرة على ظروف الحياة الصعبة الشاقة والعمل والإنتاج. 

وتوفيت عن عُمرٍ ثمان وسبعين سنة وذلك بتاريخ 1430هـ، وعنها كُتيْب معني بترجمتها بعنوان (أمي مدرستي) على شبكة المعلومات رحمها الله. 

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في الدراسات التاريخية ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
info@the3rdsector.org      

المصدر: صحيفة الجزيرة.

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT