Skip to main content

ما هو القطاع الثالث؟

ما هو القطاع الثالث؟

القطاع الثالث (3rdsector) يُطلق على جميع المنظمات والمؤسسات والجمعيات والأنشطة الأهلية والخيرية والمدنية والحقوقية والنقابية غير الحكومية وغير الربحية(

[2]).

والقطاع الثالث يُعدُّ مكمِّلا لمهام ومسؤوليات القطاع العام الحكومي (الأول)، ومتكاملاً مع القطاع الخاص الربحي (الثاني) في جميع عمليات التنمية والتنمية المستدامة خاصة في المجتمعات والدول المتقدمة في العصور المتأخرة، والترتيب في القطاعات الثلاثة قائم على حجم الموارد البشرية والمالية وآثارها الفاعلة لكل قطاع، كما أن تسمية القطاع الثالث وفلسفته نشأت متأخرةً تاريخياً بعد القطاعين الأول والثاني، وقد بدأ يتشكَّل هذا القطاع بقوة إدارية واعتبارية في الغرب مع بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وهناك بعض النظريات العلمية -وهي نظريات غير مشهورة- تجعل من حجم الموارد البشرية والمالية في أي قطاع من القطاعات الثلاثة عاملاً أساسياً في عملية ترتيب القطاعات، فقد يكون القطاع الثالث يأتي في المرتبة الأولى أو العكس.. وهكذا حسب حجم الموارد البشرية والمالية لأي قطاع من القطاعات الثلاثة، إلا أن مصطلح القطاع الثالث غير الحكومي وغير الربحي هو الشائع والمشهور، حيث ارتبطت تسميته بالثالث أكثر من النظريات التي تربط الترتيب بحجم الموارد البشرية والمالية.

والقطاع الثالث يُعتبر من أبرز عوامل نجاح الإدارة الحديثة للدول واستقراراها الأمني والسياسي، بحكم ما يوفِّره من الشراكة والمسؤولية المجتمعية مع الحكومة، وباعتبار ما يقدمه من خدمات إنسانية وعدالة اجتماعية. ويُعدُّ النموذج الأمريكي من النماذج القوية والواضحة في أدوار هذا القطاع، بل يُعدُّ من النجاح المشهود للديمقراطية الأمريكية والاستقرار السياسي للدولة، وذلك بحكم حجمه الضخم وأرقامه المالية الكبيرة المنافسة للحجم المالي للقطاع التجاري(

[4]).

وتعدُّ الإدارة الحديثة للدولة في دول الشمال بتطبيقاتها لمفاهيم وفلسفة القطاع الثالث من أبرز عوامل نجاحها الباهر، حيث أنه يحقق لتلك الدول الريادة والسيادة من خلال مؤسساتها ومنظماتها الداخلية والخارجية.

والقطاع الثالث –عالمياً- بكافة أنشطته الثقافية والاجتماعية والحقوقية والإغاثية حسب إيديولوجيات الأمم والدول بأذرعته الخارجية يُعدُّ قوة سياسية وسيادية للدول، يتم استثماره في تحريك ودعم توجهات الدول وقراراتها وسياساتها الخارجية داخل حدودها الجغرافية وخارجها، وقد أصبح القطاع الثالث بأذرعته الخارجية صاحب دور عالمي في ظل النظام العالمي الجديد والقوانين والأعراف الدولية والأدبيات الدبلوماسية. كما أن هذا القطاع الدولي بأهدافه الإنسانية ليس بريئاً في معظم أحواله من الأدلجة وتحقيق سياسات الدول المانحة للمساعدات في دعم مصالحها أو مصالح المنظومة الدولية.

ومنظمات القطاع الثالث المحلية والدولية -باستقلاليتها وقوَّتها- تشكِّل دعماً معنوياً ومادياً لحكوماتها ودولها، ومن صور الدعم توظيف الطاقات البشرية العاملة بأمن وظيفي من خلال العمل في الجامعات والمستشفيات والمدارس غير الحكومية (N.G.O’s) وغير الربحية (N.P.O) واستثمار المهارات والخبرات التطوعية، وهو بهذا وذاك يعزز العلاقة والثقة بين الحكومات وشعوبها.

وفي ظل النجاح الإداري الباهرللقطاع الثالث في الغرب في العصر الحاضر، فإن التساؤل يرد هل وُجد في التاريخ الإسلامي السابق أو المعاصر قطاع ثالث؟

وللإجابة على هذا التساؤل، فإن المقارنة بين القطاع الثالث الغربي المعاصر وبين القطاع الخيري في الإسلام مما يُثري الكتابة عن هذا القطاع.

فالقطاع الخيري الإسلامي يقوم على تشريعات واسعة من القرآن والسنة، وهو عقيدة وعبادة عند المسلمين، ولذلك فهو قطاع منافس للقطاع الغربي -تاريخياً- من حيث حجم التشريعات والأهداف والدوافع والموارد والمخرجات الحضارية عبر التاريخ إلى حدٍ كبير، حيث الأوقاف لدى المسلمين كانت مصدر حضارتهم، لكن عنصر المنافسة في القطاع الخيري وُجد عملياً عبر التاريخ حينما كان متمتعاً بكامل حقوقه المعنوية والمادية من استقلاليته عن القطاع الحكومي وبمنحه الموارد المالية الواردة في التشريع الإسلامي، فقد كان القطاع الوقفي والخيري عبر تاريخ الأمة الإسلامية يشكِّل القطاع الأول -ولو لم تكن تسميته بهذا- حسب الحجم الكبير لموارده البشرية (التطوع) وموارده المالية (الأوقاف والتبرعات والزكاة) التي فاقت في أحيان كثيرة الموارد المالية لبيت مال المسلمين، كما أنها فاقت في حالات كثيرة حجم الموارد التجارية في عصور مضت من التاريخ الإسلامي.

وحسبنا أن أوقاف المسلمين ولَّدت حضارة إسلامية عالمية شهد لها العالم بأبحاثه ودراساته المستقلة والمنصفة، وممن عبر عن هذه الحقيقة المؤرخ والمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون في مواضع متفرقة من كتابه بقوله: «إن حضارة  العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية ,  فلقد كان العرب أساتذتنا ،وإن جامعات الغرب لم تعرف لها موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب فهم الذين مدَّنوا أوروبا مادةً وعقلًا وأخلاقاً …  والتاريخ لايعرف أمة أنتجت ما أنتجوه …  إن أوروبا مدينة للعرب بحضارتها …  وإن العرب هم أول من علَّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين…  فهم الذين علَّموا الشعوب النصرانية ، وإن شئت فقل:  حاولوا أن يعلِّموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان »(

[6]).

وكانت صور الأوقاف الإسلامية المتنوعة باستقلاليتها المتمثلة بإشراف القضاء عليها قوة مؤثِّرة عبر التاريخ الإسلامي مما أكسبها مكانة إدارية مستقلة مثمرة، وبالتالي اكتسبت التعاطف والتفاعل وعطاء الأمَّة حتى تنافس الخلفاء والأمراء بالإقطاع الخيري (الأوقاف)، وتعدُّ تركيا والحجاز والشام والعراق ومصر والجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية مضرب الأمثال في حجم الأوقاف وتنوعها، بل وتمويل ودعم معظم احتياجات المجتمع والدولة، حتى في مجالات الجهاد وحماية الثغور الإسلامية(

[8]).

والقطاع الثالث بمشروعه المأمول يُعدُّ مشروع نهضةٍ وإصلاحٍ للعالم العربي في العصر الحاضر، لا سيما بعد غياب طويل لدور الأمة الإسلامية في إدارة أوقافها، فهو حق من حقوق الأمة والشعوب الإسلامية على حكوماتها، وهو استحقاق إنساني وإسلامي في الوقت ذاته، وهذا ما يتطلب إرادة سياسية جادة لميلاد هذا القطاع وتطبيعه على جميع المستويات الأهلية والرسمية، لأنه قطاعٌ كفيلٌ بإصلاح معظم جوانب الواقع السياسي والاقتصادي والعلمي والمعرفي والاجتماعي لشعوب العالم العربي، حيث أن وجود هذا القطاع عامل مساعد في معالجة الاحتقان بين الحكومات وشعوبها الناتج عن غياب الشراكة السياسية الفاعلة تجاه قضاياه المصيرية، لا سيما مع واقع معظم الدول العربية بنظامها السياسي الاستبدادي والنظام الإداري التقليدي، فالقطاع مما يجسِّر الشراكة في المسؤولية المجتمعية بين الشعوب وحكوماتها، لأنه قطاع مُسهم في التنمية والحريات والحقوق والشفافية والمحاسبة.

والقطاع الثالث بقوته وفاعليته عامل مساعد على تخفيف الضغوط السياسية الداخلية والخارجية على الدول، وهو بالتالي مما يُسهم في دعم استقرار الدول وأمنها، فالعمل الإغاثي والخيري الخارجي سفارات لدولها لا يمكن تعطيله أو إجهاضه داخل دهاليز السياسة ومساراتها المعقدة، وهو في أصل وظيفته جسر بين الدول لا يتأثر بما يحدث للعمل السياسي والدبلوماسي من تعثر وانقطاع، ومع ذلك فإن الخطوة الأولى والأهم -خاصة في العالم العربي- تكمن في إنشاء هيئات عُليا مستقلة أو مفوضيات مُنظِّمةً للمؤسسات والأعمال التطوعية كقطاع ثالث تنموي مستقل عن القطاع الحكومي وعن الأحزاب السياسية، وهو بهذه الاستقلالية يُحقق للدولة الغُنم، وعلى القطاع الغُرم -إن وُجد-، وهو فوق ذلك للدول العربية والإسلامية وقاية وعلاج -إلى حدٍّ كبير- من أزماته الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فالأخذ بنُظم وهيكلة الدولة الحديثة القائمة على قطاعات ثلاثة يعتبر من النجاح الإداري لأية دولة، كما أنه في مجمل مدخلاته ومخرجاته من متطلبات تطبيق الشريعة الإسلامية لأي دولة إسلامية، وهو مما تتقاطع فيه المصالح بين الشريعة الإسلامية والإدارة الحديثة دون تعارض في مجمله.

سمات القطاع الثالث ومحدداته العالمية:

عَمِل مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية -وهو متخصص في ذلك- على دراسات علمية وأبحاث متعددة من نتائجها استخلاص السمات الإدارية والمحددات العلمية للإسهام بالحكم على وجود القطاع الثالث من عدمه في أية دولة من دول العالم، والموضوع يتطلب مزيداً من الدراسات والأبحاث في هذا الشأن، ومن أبرز هذه السمات والمحددات التالي:

  • أن يكون قطاعاً من حيث القوة والشمول والعدد (مفوضية أو هيئة عُليا بجمعية عمومية أهلية من المانحين والموقِفِين).
  • أن يكون مستقلاً عن القطاع الحكومي والأحزاب السياسية مرتبط بدستور الدولة وأساسها الديني أو المدني الذي قامت عليه الدولة -أية دولة-.
  • أن يكون قطاعاً ثالثاً كموقع إداري للقطاع، وشريك للقطاعين العام والخاص (مستشفيات, جامعات.. الخ) في جميع عمليات التنمية.
  • أن يتمتع بجميع حقوقه المادية من الأوقاف والهبات والزكاة وفعاليات التبرعات والضرائب باختلاف بين الدول.
  • أن تكون خدمات هذا القطاع مجانية أو غير ربحية حسب نوع النشاط وقيمته.

إعداد

د/ محمد بن عبدالله السلومي

المشرف العام على مركز القطاع الثالث

للاستشارات والدراسات الاجتماعية


([2])  انظر: كريستوفر جن CHRISTOPHER GUNN كتاب (THIRD-SECTOR DEVELOPMENT- MAKING UP FOR THE MARKET) ص1.
([4])  انظر عن الحجم الكبير للقطاع الثالث في الولايات المتحدة الأمريكية محمد السلومي (القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب) على الرابط التالي: http://soo.gd/FXCd، وكتاب (القطاع الثالث والفرص السانحة) على الرابط التالي: http://soo.gd/L5aj.
([6]) انظر: كارل بروكلمان (تاريخ الشعوب الإسلامية) ص 369-371.
([8]) انظر محمد عمارة (دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمة)، بحث مقدم في ندوة: نحو دور تنموي للوقف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت ص 168-169.

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT